ابن تيمية
11
مجموعة الرسائل والمسائل
آمنوا إيماناً ، فكانت فائدتها اتباع دين الله علماً وعملاً كالمقصود بالجهاد ، والحاجة كجلب منفعة يحتاجون إليها كالطعام والشراب وقت الحاجة إليه أو دفع مضرة عنهم ككسر العدو بالحصى الذي رماهم به فقيل : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وكل من هذين يعود إلى منفعة الدين كالأكل والشرب وقتال العدو والصدقة على المسلمين فإن هذا من جملة الدين والأعمال الصالحة . وأما القسم الأول وهو المتعلق بالدين فقط فقد يكون منه ما لا يحتاج إلى الثاني ولا له فيه منفعة ، كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين وعلمائهم وعبادهم ، مع أنه لا بد أن يكون لهم شخصاً أو نوعاً بشيء من الخوارق ، وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها ، فانتفاء الخارق الكوني في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته ، وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصاً ، وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصاً وقد لا يكون نقصاً ، فإن كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصاً وهو سبب الضرر ، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس هو نقصاً عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين ، وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسب بالكونيات التي لا يكون عدمها ناقصاً لثواب لم يكن ذلك نقصاً ، مثل من يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله ، أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه لينتصر عليه . وأما القسم الثاني وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني فقد تقدم أنه تارة يكون زيادة في دينه ، وتارة يكون نقصاً ، وتارة لا له ولا عليه ، وهذا غالب حال أهل الاستعانة ، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة ، وهذا الثاني بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبياً ، فيكون خير أهل الأرض ، وقد يكون ظالماً من شر الناس ، وقد يكون ملكاً عادلاً فيكون من أوساط الناس فإن العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه ،